قد يكون لديك أسلوب مفضّل ومتكرر -وربما غير واعي- للتعامل مع الحزن أو الغضب أو الفشل. قد تتساءل أحيانًا لماذا يغيظك -اليوم بالذات- أمر اعتياديّ يفعله طفلك أو كيف تعلّم أن يُنكر قيامه بأمرٍ أغاظك. وربما تتساءل ما الذي يدفع بعض النساء أحيانًا للبقاء في علاقة مع شريك عنيف. هل هناك محفّز خفيّ لاختيارنا مهنةٍ ما؟ هل تفكر في احتماليات فقدان شخص تحبّه في هذه اللحظة؟ كيف ننجح بالاستمرار بالعيش في عالم تنهال فيه الأخبار السيئة علينا من كل جانب؟
أينما وليّت وجهك: فرويد
كلّنا يعلّم أنّ لمواجهة القلق والتوّتر أسس واضحة: مواجهة المسبب، التعلّم منها ثم المضي قِدمًا. لكن أحيانًا يكون للنفس مخطط آخر. فبدون اختيارٍ واعٍ منا، يلجأ الدماغ لتشغيل ما يُطلق عليه "آليات الدفاع النفسيّ" للتعامل مع الشعور بالضيق. فرويد كان أول من تحدّث عن هذه الآليات اللاشعورية والتي تسعى لايجاد مأوى نفسيّ للذات وحمايتها من القلق والتوّتر في موقف لا يستطيع الشخص التكيّف معه حاليًا. تحدّث فرويد عن طبقات الوعي الثلاثة التي تبني النفس البشريّة: الهو (ID) وهو المحرّك البيولوجي والغرائزي والذي يعتبر المتعة حاجة ملّحة غير قابلة للتأجيل، والأنا العليا (Superego) وهي مخزون المبادئ والأعراف الأخلاقيّة والمجتمعيّة التي تحاول جعل "الأنا" تتصرف بشكلٍ مثاليّ، والأنا (ego) أي المنطقة الوسطى التي التسويّة في الصراعات ما بين الرغبات الغرائزيّة الملّحة ومبادئ الشخص وأعرافه. وعندما تصبح تلك الصراعات أشدّ من اللازم تلجأ "الانا" لآليات الدفاع النفسيّة لئلا تفقد السيطرة. يمكننا القول، بكلمات أخرى، أنّ اليات الدفاع النفسيّة هي حيل استراتيجيّة تعمل بشكل لا واعي لحماية الفرد من التوتر والقلق الناتجين عن مشاعر سلبيّة. يميل الأشخاص لاستخدام ذخيرة محددة ومتكررة من الدفاعات تختلف بحدّتها تباعًا للمواقف المختلفة والتي قد تكوّن في نهاية الأمر سمات شخصيّة مميّزة.
تعمل أنظمة الدماغ كل الوقت لجعل العالم الذي نعيش فيه أخف وطأة على النفس ومحتملًا أكثر، فتغيّر هذه الأنظمة الصورة الحقيقيّة؛ تثني أطرافها قليلًا، تضيف بعض الألوان أو تزيل بعضها وتعدّل في مفهومنا وتفسيرنا للأحداث. لكن، على الرغم من أهميّة هذه الأنظمة ومساهمتها في تكيّفنا مع المواقف التي تهدد توازننا النفسيّ، إلّا أنّها حيل نفسيّة تقدم الواقع بصورة مخادعة وقد ينتج عن الافراط في ستخدامها مشكلات نفسيّة عديدة.
سيف ذو حدّين: آليات الدفاع بين التكيّف والتغيّب
تُعزى الكثير من النظريات النفسيّة لفرويد. فقد قدّم فرويد لعلم النفس مفاهيم أساسيّة عديدة أحدثت جدلًا واسعًا بين العلماء. لكن، مفهومه لآليات الدفاع النفسيّ ليس من ضمنها، فهنالك اجماع بين العلماء حول هذه الآليات بل وأكدّها وأضاف عليها الكثير من الباحثين من بعده، ومن أهمها كانت إضافات ابنته "آنا فرويد" والتي قدّمت للعلم، اعتمادًا على نظريات والدها، آليات الدفاع النفسيّة الأساسيّة.
يميل علماء النفس اليوم عند الحديث عن آليات الدفاع النفسيّة، والتي قد يصل عددها نحو ٤٢ آلية دفاع مدروسة، التطرّق لمدى تأثيرها على التكيّف. تحمي الدفاعات النفسيّة الأقل تكيّفًا الفرد من والوعي لمسببات قلقه وتوتره ومن الانكشاف على الصراعات الداخليّة المرتبطة بها. وبالمقابل، يكون ذلك على حساب مرونته النفسيّة في اختيار طرق المواجهة للوصول لنتائج إيجابية قصوى. بينما تعمل الدفاعات النفسيّة الأكثر تكيّفًا على زيادة وعي الفرد بالدوافع الداخليّة والخارجية والضغوطات التي تهدد راحته النفسيّة، وبالتالي تساهم في تعبيره الحرّ عن رغباته واشباعها وتقليل العواقب السلبيّة وتعظيم شعوره بالسيطرة. يصف البعض هذه الآليات على أنها "آليات مواجهة" عوضًا عن "آليات دفاع".
بالإضافة لذلك، يميل العلماء اليوم لترتيب الدفاعات النفسيّة هرميًا بناءً على علاقتها بقدرة الفرد على التكيّف وبصحّته النفسيّة بدءًا بالآليات الأكثر تكيّفًا ونزولًا لأقلّها تكيّف:
- آليات دفاع ناضجة: وهي اليات تمنح الفرد مستوى عالٍ من التكيّف-
- الانتساب (affiliation): يدفع الضيق الفرد للجوء إلى الآخرين للحصول على الدعم أو المساعدة، وبهذا يستطيع أن يتحدث عن مشاكله وأن يواجهها دون الشعور بالوحدة.
- الإيثاريّة (altruism): يواجه الفرد الصراعات والضغوطات الداخلية أو الخارجية بواسطة التفاني في تلبية احتياجات الآخرين كجزء من تلبية احتياجاته هو. فالإيثار يرتكز على
- الارتقاب (anticipation): وهي آلية يعتمد فيها الفرد بمواجهة الضيق من خلال التفكير في حلول بديلة واقعيّة وتوقع ردود الأفعال العاطفيّة. أي أنّ الفرد يعيش التجربة النفسيّة في ذهنه قبل حدوثها وبذلك يخفف وقعها في المستقبل.
- الهزل (humor): يواجه الفرد الضغوطات النفسيّة بالهزل والسخريّة والقاء الضوء على الجوانب المسلية من الصراع. تساعد الدعابة في طبيعة الحال من تخفيف التوتر وتسمح للجميع المشاركة بدلًا من أن يختبر الفرد الضيق لوحده.
- تأكيد الذات (self-assertion): وهي آلية يُعبّر بها الفرد بشكل واضح ومباشر عن مشاعره وأفكاره وبذلك يخفف من حدّة التوتر والقلق عندما تحاول قوى خارجية أو داخلية منعه عن التعبير.
- المراقبة الذاتيّة (self-observation): تمنح هذه الآلية الفرد القدرة على مواجهة الصراعات بناءً على رؤيته الشخصيّة حول تأثير الحدث على شعوره وتصرفاته.
- التسامي (sublimation): آلية دفاع ناضجة تُعيد توجيه الصراعات الداخليّة إلى طاقة ابداعية وعمليّة ومقبولة اجتماعيًا. مثل تفريغ النزعات العنيفة والقتالية في امتهان رياضيّة آمنة ومقننة. كذلك الأمر في الفن والأعمال التطوعيّة واختيار المهن والوظائف التي تسمح للفرد أن يعيد توجيه مشاعره ومشاكله النفسيّة بطرق ايجابية وناضجة.
- القمع\ الكبت الواعي (suppression): يواجه الفرد مشاكله وضغوطاته النفسيّة بتجنبها طواعيّة. أي أنّه يضعها جانبًا إلى حين يجد وقتًا وجهدًا نفسيًا ملائمًا لمواجهتها.
- آليات دفاع عُصابيّة (Neurotic): أبرزها-
- التفكير المجرّد (intellectualization): التفكير المجّرد بالصراعات. أي أنّ الفرد يلجأ للتفكير في التفاصيل المجردة للحدث عوضًا عن مواجهة العواقب الفعليّة والشعوريّة.
- القمع (repression): آلية دفاع تجعل الفرد ينسى ذكرة أو حقيقة غير محتملة حدثت في الماضي، مثل نسيان التعرّض لاعتداءات جسديّة أو نفسيّة في الطفولة. لكنّ النسيان لا يعني محو تأثير الحدث.
- آليات دفاع غير ناضجة: منها-
- أمثلة الذات أو الآخر (idealization of self or object images): يميل الفرد عند استخدامه لآلية الدفاع هذه لعزو الصفات الايجابية المبالغ بها لنفسه أو للآخرين. تحمي هذه الآلية الفرد من الشعور بالضعف وعدم الأهميّة.
- النكران (denial): هي أكثر آليات الدفاع شيوعًا حيث يرفض الفرد الاعتراف أو تقبل حدثًا ما فاق قدرته على التحمّل، فيتصرف الفرد وكأنّ شيئًا لم يكن. قد تُستخدم هذه الآلية كثيرًا كنتيجة لوقع موت شخص ما ونراها كثيرًا في تصرفات المدمنين.
- الإسقاط (projection): آلية دفاع يستخدمها الفرد لإعادة توجيه الصفات والمشاعر السلبيّة من ذاته إلى الآخرين مع إنكار وجود هذه المشاعر في النفس.
- عدوان سلبي (passive aggression): يواجه الفرد صراعاته الداخليّة بواسطة التعبير بشكل غير مباشر وغير حازم عن العدوان تجاه الآخرين. عادةً ما يكون التعبير بعدائية غير مباشرة رد فعل على طلب أو عندما يخيب ظنّ الفرد أو يخيب شعوره بالاستحقاق.
- آليات الدفاع النفسي الذُهانيّة: أبرزها-
- التحريف (distortion): آلية دفاع تحرّف الواقع وتغيّره في نظر الفرد ليتمكن من تقبّله والتعامل معه. يؤمن الفرد، في هذه الحالة، بصحّة شيء ما بينما يكون الأمر مختلفًا في الواقع.
آليات الدفاع النفسيّة المذكورة، والتي لم تُذكر، ليست أدوات طوعيّة وتحدث دون وعيّ منا. فنحن لا نُدرك ولا نفكر بها آن استخدامها كما أننّا لا يمكننا التوقف عن الاستعانة بها. آليات الدفاع النفسيّ لا تُرينا العالم بواقعيّته إنّما تهدف لنتكيّف بالعيش فيه. تتطوّر آليات الدفاع منذ طفولتنا وترافقنا طوال حياتنا البالغة، ويرافق هذا التطوّر أحيانًا افراطًا في الاستخدام أو استخدامًا يساهم في استمرار حالة مرضيّة معيّنة. لذلك، تحديد وفهم آلياتنا الخاصّة تجعلنا أكثر وعيًا بأنفسنا وبتصرفاتنا وتساعد في فهم المشكلات وفي علاجها.
References:
Cramer, P. (2015). Understanding defense mechanisms. Psychodynamic Psychiatry, 43(4), 523-552.
Cramer, P. (2006). Protecting the self: Defense mechanisms in action. Guilford Press.
Freud, A. (1937). The Ego and the mechanisms of defense, London: Hogarth Press and Institute of Psycho-Analysis.
Strandholm, T., Kiviruusu, O., Karlsson, L., Miettunen, J., & Marttunen, M. (2016). Defense mechanisms in adolescence as predictors of adult personality disorders. The Journal of nervous and mental disease, 204(5), 349-354.
Perry, J. C., Beck, S. M., Constantinides, P., & Foley, J. E. (2009). Studying change in defensive functioning in psychotherapy using the defense mechanism rating scales: Four hypotheses, four cases. In Handbook of evidence-based psychodynamic psychotherapy (pp. 121-153). Humana Press
نُشر في ساسة بوست، ٢٠٢٢
رسائل وكتابات
كتابات قصيرة وأفكار حول النفس وعلاقتها بجوانب حياتنا المختلفة.
مقالات ذات صلة

هل يجب أن نتحدث عن الألم كي نتعافى؟

