الإجابة باختصار - لا.
لكنها ليس اجابة بسيطة.
الكلام طريق مهم، لكنه ليس الطريق الوحيد
ساعد الكلام أناسًا كثيرين على فهم ما مروا به. حين نحكي قصتنا أمام شخص يصغي إلينا بصدق، تبدأ الأحداث المتناثرة بالاتصال ببعضها. نفهم لماذا أصبح موقف صغير يثير فينا خوفًا كبيرًا، ولماذا ننسحب من علاقة نرغب فيها، أو لماذا نشعر بالذنب تجاه شيء لم يكن في قدرتنا منعه.
تمنحنا الكلمات معنى. تساعدنا على تسمية التجربة، ووضعها في زمنها، والتفريق بين ما حدث حينها وما يحدث الآن.
لكن الكلمات لا تعمل وحدها، ولا يصبح الألم أخف لمجرد أننا وصفناه. قد يروي الإنسان القصة عشرات المرات، ويبقى جسده يتصرف كأن الخطر ما زال قريبًا. وقد يفهم بعقله أن الحدث انتهى، بينما يستيقظ ليلًا وقلبه يخفق، أو يتجمّد حين يسمع نبرة صوت تشبه نبرة قديمة.
وأحيانًا، قد تكون الكلمات جدارًا عازلًا يحول بيننا وبين الشعور.
وجدت بعض الدراسات، مثلًا، أن الكتابة عن التجارب المؤلمة لم تخفف أعراض الصدمة لدى جميع المشاركين. هذا لا يجعل الكتابة عديمة الفائدة، لكنه يذكّرنا بأن إخراج القصة من داخلنا لا يتحول تلقائيًا إلى تعافٍ. الطريقة والتوقيت والشعور بالأمان أثناء البوح، كلها أجزاء من العلاج وليست تفاصيل ثانوية.
أحيانًا يصل الخطر إلى الجسد قبل أن يصل إلى الفكر
تخيل أنك تمشي في الشارع وتسمع صوت ارتطام قوي خلفك. قبل أن تعرف مصدر الصوت، يكون جسدك قد بدأ بالاستجابة: يسرع قلبك وتتوتر عضلاتك ويتجه انتباهك نحو الخطر.
يحدث كل هذا بسرعة لأن الجسد لا ينتظر تفسيرًا كاملًا كي يحميك. فهو يلتقط الأصوات والروائح وتعابير الوجوه والتغيرات الصغيرة في المكان ثم يقارنها بما تعلّمه سابقًا عن الخطر.
لهذا قد يتفاعل جسدك اليوم مع شيء يذكّره بتجربة قديمة، حتى حين تعرف بعقلك أنك في مكان آمن. قد يكون التذكير من خلال صوت أو رائحة أو اقتراب شخص منك، أو حتى لحظة هدوء تشبه الهدوء الذي سبق حدثًا مؤلمًا.
في حالات الضغط الشديد، يوجّه الدماغ طاقته نحو الاستجابة السريعة والحماية. تضيق قدرتنا على التفكير الهادئ، وترتيب الأحداث، والعثور على الكلمات المناسبة. يصبح جزء منك منشغلًا بالسؤال: "كيف أنجو من هذه اللحظة؟"، بينما يحاول شخص أمامك أن يسألك: "كيف تفهم ما يحدث؟". فيأتي التحليل للموقف كأنك تطلب من شخص أن يشرح صوت جهاز الإنذار، في اللحظة التي يملأ فيها الصوت الغرفة.
الجسد قد يعرف القصة بطريقة مختلفة
نحن نحفظ تجاربنا بأكثر من شكل. يحتفظ العقل ببعضها على هيئة قصة: أين كنا؟ من كان معنا؟ ماذا حدث أولًا وماذا جاء بعده؟
ويحتفظ الجسد بجزء آخر بطريقة مختلفة. قد تظهر التجربة في حركة تتوقف قبل أن تكتمل، أو في كتفين يرتفعان تلقائيًا، أو في رغبة دائمة في مراقبة الباب. وقد تسكن في عادة الاعتذار السريع، أو في التراجع حين يقترب أحد، أو في الشعور بأن عليك أن تبقى مستعدًا طوال الوقت.
تبدو هذه التصرفات أحيانًا غريبة، لكنها كانت منطقية في الوقت الذي بدأت فيه. ربما احتجت يومًا إلى أن تبقى صامتًا، أو أن تراقب وجوه الآخرين، أو أن تجعل جسدك صغيرًا قدر الإمكان. تعلّم جسدك أن هذه الطرق تحميك، فاستمر في استخدامها حتى بعد تغيّر الظروف.
المشكلة هنا لا تكمن في أن جسدك "فشل في التجاوز". هو ما زال يستعمل الخريطة القديمة لأنه لم يحصل بعد على أدوات وتجارب كافية تخبره أن المكان تغيّر، وأن لديه اليوم اختيارات لم تكن متاحة سابقًا.
حين يبدأ العلاج من السؤال: ماذا تشعر الآن؟
طوّرت بعض التوجهات العلاجية طرقًا تبدأ من ملاحظة ما يحدث في الجسد، قبل الدخول في تفاصيل القصة. يُطلق الباحثون على هذا المسار أحيانًا اسم المعالجة "من الأسفل إلى الأعلى"، لأن العمل يبدأ من الإحساس والحركة، ثم يصل تدريجيًا إلى المشاعر والكلمات.
قد يسألك المعالج: ماذا تلاحظ في جسدك الآن؟
ربما تشعر بضغط في صدرك. وربما لا تشعر بأي شيء سوى الخدر. قد تلاحظ أن قدميك لا تلمسان الأرض جيدًا، أو أن يديك مشدودتان، أو أن تنفسك أصبح أقصر منذ بدأ الحديث.
لا يكون الهدف تفسير كل إحساس أو البحث عن معنى مخفي خلفه. يبدأ العمل بملاحظة بسيطة وآمنة: هذه قدماي على الأرض. هذا الكرسي يحمل وزني. أنا موجود في هذه الغرفة. أستطيع أن أنظر حولي وأرى الباب والنافذة والضوء.
تستخدم أساليب علاجيّة مثل "التجربة الجسدية" ونموذج "المرونة في مواجهة الصدمة" الانتباه إلى الإحساس والحركة لمساعدة الشخص على تنظيم شعوره وردود فعله. تقترب هذه الأساليب من الذكرى ببطء، وتتجنب عادة دفع الشخص إلى استعادة التجربة كاملة وهو غارق داخلها.
الاقتراب من الألم بجرعات يمكن احتمالها
يحاول بعض الناس مواجهة الألم بالدخول إليه دفعة واحدة. يعتقدون أنهم كلما تذكروا تفاصيل أكثر، أو بكوا أكثر، أو دفعوا أنفسهم إلى الحديث أكثر، اقتربوا من النهاية.
لكن الجسد الذي عاش الغرق يحتاج غالبًا إلى تجربة مختلفة عنه.
يحتاج إلى الاقتراب قليلًا ثم العودة إلى شيء ثابت. إلى ملامسة جزء من الوجع، ثم ملاحظة القدمين على الأرض. إلى تذكّر صورة، ثم النظر حول الغرفة والتأكد أن الحاضر ما زال هنا.
يمكن تشبيه ذلك بشخص يدخل البحر بعد تجربة غرق. لن يساعده أن يُلقى فجأة في المياه العميقة كي "يتغلب على خوفه". قد يبدأ بالوقوف قرب الشاطئ، ثم يلمس الماء بقدميه، ويتراجع حين يحتاج، ويعود حين يشعر أن جسمه قادر على الاحتمال.
هل الألم "عالق داخل الجسد"؟
تُستخدم هذه العبارة كثيرًا، لكنها قد تجعل الأمر يبدو كأن الألم مادة مادية مخزنة في العضلات وتحتاج إلى الخروج.
الصورة أدق من ذلك.
بعد تجربة صعبة، تستمر أنماط الاستجابة التي تعلّمها الجسد بالحدوث، كالتوتر والترقّب وسرعة الفزع أو الشعور بالخدر والانفصال. يصبح الجهاز العصبي المسؤول عن حمايتك أسرع في تشغيل الإنذار وأبطأ في إطفائه.
تساعد الحركة والانتباه إلى الإحساس والتنفس الواعي والعلاقة الآمنة مع المعالج في منح الجسد تجارب جديدة. يتعلم تدريجيًا أنه يستطيع الشعور بالتوتر من دون أن ينهار، وأن بإمكانه العودة إلى الهدوء بعد الاستثارة، وأنه يملك اليوم مساحة أكبر للحركة والاختيار.
هناك دراسات وجدت تحسنًا في أعراض الصدمة لدى مشاركين تلقوا علاج "التجربة الجسدية أو حصلوا على تدخل علاجي جسدي قصير بجانب العلاج المعتاد. هذه نتائج مشجعة لكن يجب النظر إليها كطرق واعدة قد تناسب بعض الأشخاص، لا كإجابة واحدة تناسب الجميع.
نحتاج إلى الأمان قبل أن نحتاج إلى التفسير
قد يعرف الشخص تمامًا لماذا يخاف، ومع ذلك يبقى الخوف حاضرًا.
يمكنك أن تعرف أن شريكك الحالي مختلف عن الشخص الذي آذاك سابقًا، ثم يتوتر جسدك حين يتأخر في الرد. يمكنك أن تفهم أن مديرك لا يشبه والدك، ثم تجد نفسك مرتبكًا أمام أي ملاحظة. ويمكنك أن تقول لنفسك إن الحرب بعيدة عن منزلك هذه الليلة، بينما يصعب على جسدك أن ينام.
المعرفة مهمة، لكنها تصل أحيانًا إلى باب مغلق. يحتاج الجسد أولًا إلى أن يعيش الأمان، مرة بعد مرة، كي يستطيع استقبال ما يعرفه العقل.
لهذا قد يبدأ العلاج الحقيقي في لحظة لا تبدو درامية: أن يلاحظ المعالج تغير وجهك ويتوقف، بدل أن يدفعك إلى متابعة الحديث. أن يسمح لك بالصمت من دون أن يعتبره مقاومة. أن يسألك إن كنت تريد الاقتراب من الموضوع أو تأجيله. أن تشعر بأنك تستطيع قول "يكفي»" ويبقى الشخص أمامك قريبًا.
في هذه اللحظات، يتعلم الجسد شيئًا جديدًا عن العلاقة: يمكنني أن أكون حاضرًا ومعي ألمي، من دون أن أفقد السيطرة على ما يحدث لي.
الكلام يداوي حين يجد من يحمله
القضية ليست اختيارًا حادًا بين الكلام والجسد. كثير من العلاجات تمزج بينهما، وقد تبدأ من الإحساس ثم تصل إلى الكلمات، أو تبدأ من الحكاية ثم تتوقف لملاحظة ما تفعله الحكاية بالجسد.
يحمل الكلام قدرة كبيرة على الشفاء حين يأتي في وقت يمكن احتماله، وداخل علاقة يشعر فيها الإنسان بأنه مسموع. تساعدنا الكلمات عندها على استعادة ملكية قصتنا، وربط الأجزاء المتفرقة، وفهم أن ردود فعلنا لم تظهر من فراغ.
وقد يصبح الكلام مؤلمًا حين يتحول إلى امتحان: احكِ كل شيء، فسّر كل شيء، واجعل تجربتك مفهومة ومنظمة كي نصدق أنك تتألم.
بعض التجارب تخرج أولًا على هيئة دمعة أو صمت أو حركة في اليد أو تنهيدة طويلة. تصل الكلمات لاحقًا، حين يصبح الداخل قادرًا على استقبالها.
كيف أعرف الطريق الذي أحتاجه؟
قد تحتاج في مرحلة إلى الكلام، وفي مرحلة أخرى إلى الصمت. قد تساعدك الكتابة أو الحركة أو الفن أو الصلاة أو العلاج الفردي أو الوجود داخل جماعة تحمل شيئًا من تجربتك.
الطريق المناسب هو الذي يسمح لك بالاقتراب من الألم من دون أن يسلبك قدرتك على الاختيار. طريق تشعر فيه أنك حاضر داخل التجربة، وأنك تستطيع التوقف والعودة والتنفس وطلب المساندة.
التعافي لا يطلب منك أن تروي كل شيء. وقد يأتي يوم ترغب فيه بالكلام، فتجد أن الكلمات أصبحت أقرب وأهدأ. وقد تكتشف أن بعض الأجزاء وصلت إلى مكانها من خلال علاقة آمنة أو حركة أو طقس أو لحظة بكاء لم تحتج إلى شرح.
للألم لغات كثيرة.
الكلمات واحدة منها، والجسد واحدة منها، والصمت واحدة منها، والعلاقة التي تحملنا حين تعجز اللغة قد تكون أعمقها.
مصادر:
Andersen, T. E., Lahav, Y., Ellegaard, H., & Manniche, C. (2017). A randomized controlled trial of brief Somatic Experiencing for chronic low back pain and comorbid post-traumatic stress disorder symptoms. European Journal of Psychotraumatology, 8(1). DOI: 10.1080/20008198.2017.1331108.
Brom, D., Stokar, Y., Lawi, C., Nuriel-Porat, V., Ziv, Y., Lerner, K., & Ross, G. (2017). Somatic Experiencing for posttraumatic stress disorder: A randomized controlled outcome study. Journal of Traumatic Stress, 30(3), 304–312. DOI: 10.1002/jts.22189.
de Kloet, E. R., de Kloet, S. F., de Kloet, C. S., & de Kloet, A. D. (2019). Top-down and bottom-up control of stress-coping. Journal of Neuroendocrinology, 31(3), e12675. DOI: 10.1111/jne.12675.
Grabbe, L., & Miller-Karas, E. (2018). The Trauma Resiliency Model: A “bottom-up” intervention for trauma psychotherapy. Journal of the American Psychiatric Nurses Association, 24(1), 76–84. DOI: 10.1177/1078390317745133.
Jackson, J. C., Jong, J., Bilkey, D., Whitehouse, H., Zollmann, S., McNaughton, C., & Halberstadt, J. (2018). Synchrony and physiological arousal increase cohesion and cooperation in large naturalistic groups. Scientific Reports, 8, 127. DOI: 10.1038/s41598-017-18023-4.
Payne, P., Levine, P. A., & Crane-Godreau, M. A. (2015). Somatic Experiencing: Using interoception and proprioception as core elements of trauma therapy. Frontiers in Psychology, 6, 93. DOI: 10.3389/fpsyg.2015.00093.
Sloan, D. M., Marx, B. P., Bovin, M. J., Feinstein, B. A., & Gallagher, M. W. (2012). Written exposure as an intervention for PTSD: A randomized clinical trial with motor vehicle accident survivors. Behaviour Research and Therapy, 50(10), 627–635.
Sue, S., Zane, N., Nagayama Hall, G. C., & Berger, L. K. (2009). The case for cultural competency in psychotherapeutic interventions. Annual Review of Psychology, 60, 525–548. DOI: 10.1146/annurev.psych.60.110707.163651.
Wendt, D. C., Gone, J. P., & Nagata, D. K. (2015). Potentially harmful therapy and multicultural counseling: Bridging two disciplinary discourses. The Counseling Psychologist, 43(3), 334–358. DOI: 10.1177/0011000014548280.
:::
رسائل وكتابات
كتابات قصيرة وأفكار حول النفس وعلاقتها بجوانب حياتنا المختلفة.
مقالات ذات صلة

بعيدًا عن العلاقات الإنسانية.. 4 أشياء قد تمنحك الأمان السايكولجي الذي تبحث عنه

